المقريزي
187
إمتاع الأسماع
وقيل : عظم خلقه حيث صغرت الأكوان في عينه بعد مشاهدة مكونها سبحانه ، وكان صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها حيث سئلت عن خلقه : القرآن ، يغضب لغضبه ، ويرضى لرضاه ، ولا ينتقم لنفسه ، ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله . وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد ، فيكون غضبه لربه ، وينفذ الحق وإن عاد ذلك بالضرر عليه وعلى أصحابه ، [ وقد ] ( 1 ) عرض عليه أن ينتصر بالمشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه فأبى ( 2 ) وقال : إنا لا نستعين بمشرك . وكان أشجع الناس وأسخاهم وأجودهم ، ما سئل شيئا فقال لا ، ولا يبيت في بيته درهم ولا دينار ، فإن فضل ولم يجد من يأخذه وفجئه الليل لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه ، ولا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ، ثم يؤثر من قوت أهله حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام . ولم يشغله الله تعالى من المال بما يقضي محبة في فضوله ولا أحوجه إلى أحد ، بل أقامه على حد الغنى ( 3 ) بالقوت ، ووفقه لتنفيذ الفضل فيما يقرب من ربه ، تعالى . وكان أحلم الناس ، وأشد حياءا من العذراء في خدرها ، وكان خافض الطرف . نظره الملاحظة ، لا يثبت بصره في وجه أحد تواضعا ، يجيب من دعاه من غني أو فقير ، أو حر أو عبد ، وكان أرحم الناس ، يصغي الإناء للهرة ، وما يرفعه حتى تروى رحمة لها . وكان أعف الناس ، لم تمس يده يد امرأة إلا بملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه ، وكان أعدل الناس ، وجد أصحابه قتيلا من خيارهم وفضلائهم ، فلم يحف ( 4 ) لهم من أجله على أعدائه من اليهود ، وقد وجد مقتولا بينهم ! بل وداه ( 5 ) مائة ناقة من صدقات المسلمين وإن بأصحابه حاجة إلى بعير .
--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) في ( خ ) ( فايا ) . ( 3 ) في ( خ ) ( الغنا ) . ( 4 ) من الحيف وهو المبل من العدل . ( 5 ) وداه : دفع ديته